إشاراتٌ في طريقِ الباحِثِين



للسعادةِ والفلاحِ علاماتٌ تلوحُ ، وإشاراتٌ تظهرُ ، وهي شهودٌ على رقيِّ صاحبها ، ونجاحِ حامِلها ، وفلاحِ منِ اتَّصف بها .

فمنْ علاماتِ السعادةِ والفلاحِ : أنَّ العبد كلَّما زاد وزُنه ونفاستُه ، غاص في قاعِ البحارِ ، فهو يعلمُ أنَّ العلم موهبةٌ راسخةٌ يمتحِنُ اللهُ بها منْ شاء ، فإنْ أحْسَنَ شُكَرَها ، وأحسن في قبُولِهِ ، رَفعهُ به درجاتٍ ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾ . وكلَّما زِيد في عملهِ ، زيد في خوفِهِ وحَذَرِه ، فهو لا يأمنُ عثرة القدمِ ، وزلَّة اللسانِ ، وتقلُّب القلبِ ، فهو في مُحاسبةٍ ومُراقبةٍ كالطائرِ الحذِر ، كلَّما وقع على شجرةٍ تركها لأخرى ، يخافُ مهارة القنَّاص ، وطائشة الرصاصِ . وكلَّما زيد في عمرِه ، نقص من حِرْصِهِ ويعلمُ علم اليقينِ أنَّهُ قدِ اقترب من المنتهى ، وقطع المرحلة ، وأشرف على وادي اليقين . وهو كلَّما زِيد في مالِه ، زيد في سخائِه وبذْلهِ ؛ لأنَّ المال عاريةٌ ، والواهب ممتحنٌ ، ومناسباتِ الإمكانِ فُرصٌ ، والموت بالمرصادِ . وهو كلَّما زيد في قدْرِه وجاهِه ، زيد في قُربِه من الناسِ وقضاءِ حوائجِهم والتَّواضُعِ لهم ؛ لأنَّ العباد عيالُ الله ، وأحبُّهم إلى اللهِ أنفعُهم لعيالِه . وعلاماتُ الشقاوةِ : أنَّ كلَّما زيد في علمِهِ ، زيد في كِبْره وتيههِ ، فعلْمُه غيرُ نافعٍ ، وقلبُه خاوٍ ، وطبيعتُه ثخينةٌ ، وطينتُه سِباخٌ وعْرةٌ . وهو كَّلما زيد في عملِه ، زِيد في فخْره واحتقارِه للناس ، وحُسْنِ ظنَّه بنفسهِ . فهو الناجي وحده ، والباقون هلْكى ، وهو الضامنُ جواز المفازةِ ، والآخرون على شفا المتالِفِ . وهو كلَّما زِيد في عمرِه ، زيد في حِرصِهِ ، فهو جمُوعٌ منُوعٌ ، لا تُحرِّكهُ الحوادِثُ ، ولا تُزعزعُه المصائبُ ، ولا تُوقِظهُ القوارِعُ . وهو كلَّما زِيد في مالِه ، زيد في بُخلِه وإمساكِه ، فقلْبُه مقفرٌ من القِيم ، وكفُّه شحيحةٌ بالبذْلِ ، ووجهُه صفيقٌ عريَّ من المكارمِ . وهو كلَّما زيد في قدْرِه وجاهِه ، زيِد في كِبرِه وتيْهِه ، فهو مغرورٌ مدحورٌ ، طائشُ الإرادةِ منتفخُ الرِّئةِ ، مريشُ الجناحِ ، لكنَّه في النهايةِ لا شيء : (( يُحشر المتكبَّرون يوم القيامةِ في صورةِ الذَّرِّ ، يطؤهُمْ الناسُ بأقدامِهمْ )) . وهذهِ الأموُر ابتلاءٌ من اللهِ وامتحانٌ ، يَبْتَلي بها عباده فيسْعدُ بها أقوامٌ ، ويشقى بها آخرون .


كتاب لاتحزن

تعليقات

المشاركات الشائعة